محمود محمود الغراب
73
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
لي وليا أو عاديت فيّ عدوا ؟ » فإذا أحببت الأشياء من أجله وعاديت الأشياء من أجله ، فهذا معنى حبنا له ، ليس غير ذلك ، فقمنا بجميع ما يحبه منا أن نقوم به عن طيب نفس ، ويكون من لا يشاهده من صورتي في حكم التبع ، كما هي الجوارح منا وحيوانيتنا بحكم النفس الناطقة لا تقدر على مخالفتها لأنها كالآلات لها ، تصرفها كيف تريد في مرضاة اللّه وفي غير مرضاته ، وكل جزء من جوارح الإنسان إذا ترك بالنظر إلى نفسه ، لا يتمكن له أن يتصرف إلا فيما يرضي اللّه ، فإنه له ، وجميع ما في الوجود بهذه المثابة إلا الثقلان ، وهو قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يريد بذلك التسبيح الثناء على اللّه لا للجزاء ، لأنه في عبادة ذاتية لا يتصور معها طلب مجازاة ، فهذا من حبنا له سبحانه ، إلا بعض النفوس الناطقة ، لما جعل لها في معرفة اللّه القوة المفكرة ، لم تفطر على العلم باللّه ، بل كانت تحب الأسباب ، ثم اهتدت بواسطة الفكر إلى موجد الأسباب ، فانتقل تعلق الحب في السبب الموجد للأسباب ، وقالت النفس : هو أولى بي أن أحبه ، ولكن لا أعلم ما يرضيه حتى أعامله به ، فحصل عندها حبه لما أنعم عليها من وجودها ووجود ما يلائمها ، وهنا وقفت غافلة ناسية إقرارها بربوبية موجدها في قبضة الذر ، فبينا هي كذلك ، إذ جاءها داع من خارج من جنسها ، ادعى أنه رسول من عند هذا الذي أوجدها ، فقالت له : أنت مثلي وأخاف أن لا تكون صادقا ، فهل عندك من يصدقك فإن لي قوة مفكرة بها توصلت إلى معرفة موجدي ؟ فقام لها بدليل يصدقه في دعواه ، ففكرت فيه إلى أن ثبت صدقه عندها ، فآمنت به ، فعرّفها أن ذلك الموجود الذي أوجدها كان قد قبض عليها ، وأشهدها على نفسها بربوبيته وأنها شهدت له بذلك ، فقالت : ما عندي من ذلك خبر ، ولكن من الآن أقوم بواجب ذلك الإقرار ، فإنك صادق في خبرك ، ولكن ما أدري ما يرضيه من فعلي ، فلو حددت حدودا ورسمت لي مراسم أقف عندها ، حتى تعلم أني ممن وفّى بشكره على ما أنعم به عليّ ، فرسم لها ما شرع ، فقامت بذلك شكرا وإن خالف غرضها ، ولم تفعل ذلك خوفا ولا طمعا ، لأنه لما رسم لها ما رسم ابتداء وعرّفها أن وقوفها عند تلك المراسم يرضيه ، وما ذكر لها ما لها في ذلك من الثواب وما عليها إن خالفت من العقاب ، فبادرت هذه النفس الزكية لمراضيه في ذلك ، فقالت : « لا إله إلا اللّه » كما قيل لها ، ثم بعد ذلك عرفها ما لها في ذلك من الثواب الجزيل والإنعام التام ، وما لمن خالف شرعه من العقاب ، فانضاف إلى عبادتها إياه - حبا